
الفصل الرابع : رواية الطيبة والوحش رواية نفسية متسلسلة
الفصل الرابع: أول شرخ في الجدار
بقلم / سهير محمود عيد
لم تكن لحظة بطولة.
ولا قرارًا شجاعًا كما في الأفلام.
كانت لحظة عادية جدًا…
وهذا ما جعلها خطيرة.
عاد الوحش متأخرًا ذلك اليوم.
دخل البيت دون أن ينظر لأحد، خلع حذاءه بعنف خافت، ذلك العنف الذي لا يترك أثرًا مرئيًا لكنه يملأ المكان.
كان الأول جالسًا على الأرض، كتبه مبعثرة حوله، لا يذاكر، لا يلعب، فقط ينظر.
نظر فراغ… يشبه الانتظار بلا أمل.
قال الوحش فجأة:
— «إنت لسه قاعد كده ليه؟»
لم يرد الطفل.
لم يكن تجاهلًا…
كان إنهاكًا.
اقترب منه، رفع صوته قليلًا:
— «بسألك!»
رفعتُ رأسي.
شيء ما داخلي تحرّك، ليس غضبًا… بل خوفًا أعمق.
قال الطفل أخيرًا، بصوت مبحوح:
— «مش عارف أعمل إيه.»
ضحك الوحش ضحكة قصيرة:
— «ولا عمرك هتعرف طول ما إنت كده.»
هنا…
حدث الشرخ.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
قلت فقط، بصوت هادئ غريب حتى عليّ:
— «كفاية.»
توقّف.
نظر إليّ ببطء، كما لو أن الكلمة غير مسموح لها بالوجود.
— «كفاية إيه؟»
— «كفاية تقليل… كفاية إحباط… كفاية.»
ساد صمت ثقيل.
الهواء نفسه بدا مرتبكًا.
قال بسخرية:
— «إنتِ اتجننتي؟»
لم أرد.
لكنني وقفت بينه وبين الطفل دون وعي.
لم ألمسه.
لم أدفعه.
فقط… وقفت.
كان ذلك كافيًا ليغضبه.
— «إنتِ بتعملي إيه؟»
— «بحاول أحميه.»
ضحك…
لكن ضحكته كانت فارغة، متوترة.
— «من إيه؟»
— «من الإحساس اللي إنت زرعته فيه… إنه ولا حاجة.»
هنا تغيّر وجهه.
لم يعد الوحش الواثق.
صار وحشًا مكشوفًا.
— «إنتِ بتتهميني؟»
— «أنا بوصّف اللي شايفاه.»
تقدّم خطوة.
تراجعت خطوة…
لكنني لم أسكت.
— «ابنك بقى خايف ينجح… فاهم يعني إيه؟»
تجمّد الطفل خلفي.
سمعت أنفاسه تتسارع.
قال الوحش بحدة:
— «إنتِ السبب… سكوتك، دلعك، ضعفك.»
ابتسمت.
لأول مرة، ابتسامة موجعة.
— «يمكن… بس أنا قررت ما أبقاش السبب تاني.»
لم يرد.
لم يصرخ.
أدار ظهره ودخل غرفته وأغلق الباب بقوة.
ظللت واقفة.
ارتجفت.
لم أشعر بالنصر…
شعرت بالخوف.
لكن الطفل أمسك بطرف ملابسي.
رفع رأسه، سألني بصوت خافت:
— «ماما… إنتِ زعلانة؟»
انحنيت، نظرت في عينيه، وقلت بصدق لم أقله من قبل:
— «أنا ندمانة… بس مش عليك.»
في تلك الليلة، لم أنم.
جلست أفكّر.
عرفت أن الوقوف مرة لا يكفي.
أن الوحش لن يختفي.
وأن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لكنني أيضًا عرفت شيئًا أخطر:
أن الأطفال رأوني…
ولأول مرة، لم يروني صامتة.
وهذا وحده
كان بداية حرب.
يتبع….





